الخطيب الشربيني

93

مغني المحتاج

لسلامة آدمي محترم إن لم يمكن دفع الغرق بغير إلقائه ، فإن أمكن لم يجز إلقاؤه ، والظاهر كما قال الأذرعي أنه لو كان هناك أسرى من الكفار وظهر للأمير أن المصلحة في قتلهم فيبدأ بإلقائهم قبل الأمتعة وقبل الحيوان المحترم ، وينبغي كما قال أيضا أن يراعى في الالقاء الأخس فالأخس قيمة من المتاع والحيوان إن أمكن حفظا للمال ما أمكن ، الثاني لا يجوز إلقاء الأرقاء لسلامة الأحرار بل حكمها واحد فيما ذكر ، وإن لم يلق من لزمه الالقاء حتى غرقت السفينة فهلك به شئ أثم ولا ضمان عليه كما لو لم يطعم مالك الطعام المضطر حتى مات . الثالث لم يميز المصنف حالة الوجوب من حالة الجواز ، وقوله لرجاء نجاة الراكب إن كان تعليلا للمسألتين فكيف تصلح هذه العبارة الواحدة للجواز تارة وللوجوب أخرى ، وإن كان للوجوب فقط فكيف يستقيم الجواز بدون ذلك ؟ والقياس الوجوب لرجاء نجاة الراكب مطلقا ، لأن القاعدة الأصولية أن ما كان ممنوعا منه إذا جاز وجب . وقال البلقيني : والذي يقال في ذلك إن حصل هول خيف منه الهلاك مع غلبة السلامة جاز الالقاء لرجاء نجاة الراكب وإن غلب الهلاك مع ظن السلامة بالطرح وجب ، ثم استشكل قولهم : إنه يطرح الأخف قيمة ومالا روح فيه لتخليص ذي الروح فإنه إن جعلت الخيرة في عين المطروح للملاح ونحوه فهو غير لائق ، وإن توقف على إذن صاحبه فقد لا يأذن فيحصل الضرر . ثم قال : إنه يحتاج إلى إذن المالك في حال الجواز دون الوجوب ، فلو كانت لمحجور لم يجز إلقاؤها في محل الجواز ويجب في محل الوجوب . قال : ولو كانت مرهونة أو لمحجور عليه بفلس ، أو لمكاتب ، أو لعبد مأذون عليه ديون وجب إلقاؤها في محل الوجوب وامتنع في محل الجواز إلا باجتماع الراهن والمرتهن ، أو السيد والمكاتب ، أو السيد والمأذون والغرماء في الصورة المذكورة ، وإن ألقى الولي في محل الجواز بعض أمتعة محجوره ليسلم به باقيها فقياس قول أبي عاصم العبادي فيما لو خاف الولي استيلاء غاصب على المال ، فله أن يؤدي شيئا لتخليصه جوازه هنا ، ويحرم على الشخص إلقاء المال ولو ماله بلا خوف ، لأنه إضاعة مال . ( فإن طرح مال غيره بلا إذن ) منه ولو في حال الخوف ( ضمنه ) لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه من غير أن يلجئه إلى إتلافه فصار كما لو أكل المضطر طعام غيره بغير إذنه ( وإلا ) أي بأن طرحه بإذنه ، أو ألقى مال نفسه ، ولو اختص الخوف بغيره بأن كان بالشط أو بزورق ( فلا ) ضمان للاذن المبيح في الأولى ولا لقائه مال نفسه في الثانية ، ويشترط مع الاذن أن لا يتعلق به حق الغير كما مر وفارقت هذه حينئذ مسألة المضطر إذا أطعمه مالك الطعام قهرا بأن المطعم ثم دافع للتلف لا محالة ، بخلاف الملقى ( ولو قال ) شخص لآخر في سفينة ( ألق متاعك ) في البحر ( وعلي ضمانه ، أو على أني ضامن ) له ، أو على أن أضمنه فألقاه فيه ( ضمنه ) وإن لم يكن للملتمس فيها شئ ولم تحصل النجاة لأنه التمس إتلافا لغرض صحيح بعوض فيلزمه ، كما إذا قال : أعتق عبدك وعلي كذا ، أو طلق زوجتك ، أو أطلق الأسير ، أو اعف عن القصاص ولك علي كذا ، أو على أن أعطيك كذا فأجاب سؤاله فيلزمه ما التزمه . فإن قيل : ينبغي أن لا يصح هذا الضمان ، لأنه ضمان ما لم يجب . أجيب بأن هذا ليس على حقيقة الضمان المعروف وإن سمي به وإنما حقيقته الافتداء من الهلاك فهو كما لو قال : أطعم هذا الجائع ولك علي كذا . تنبيه : قول البلقيني : لا بد أن يشير إلى ما يلقيه ، أو يكون معلوما له وإلا فلا يضمن إلا ما يلقيه بحضرته ممنوع لأن هذه حالة ضرورة فلا يشترط فيها شئ من ذلك . فرع : لو ألقى المتاع شخص أجنبي بعد الضمان لم يضمن المستدعي وكذا لو ألقته الريح ، ولا بد في الضمان من استمراره على الالتزام فلو رجع قبل الالقاء لم يضمن ( ولو اقتصر ) الملتمس ( على ) قوله ( ألق ) متاعك في البحر فألقاه ( فلا ) ضمان ( على المذهب ) لعدم الالتزام ، وفي وجه من الطريق الثاني فيه الضمان كقوله : أد ديني ، فأداه فإنه يرجع عليه في الأصح ، وفرق الأول بأنه بالقضاء برئ قطعا ، والالقاء قد لا ينفعه . تنبيه : هل يفترق الحال بين كون المأمور بإلقاء ماله أعجميا يعتقد وجوب طاعة أمره أو لا فرق ؟ قال الأذرعي :